القبائل العربية في الجزيرة الفراتية منذ ما قبل الإسلام و حتى العصر العباسي*


يجمع الجغرافيون العرب ، على تسمية المنطقة بالجزيرة ، لأن أراضيها تقع بين نهرين كبيرين هما دجلة و الفرات،إضافة إلى أن روافد هذين النهرين تتم إحاطتهما بالمياه من كافة الجهات، و على هذا فإن حدود الجزيرة الفراتية المائية يحددها هذان النهران ، نهر دجلة من الشرق و نهر الفرات من الشمال و الغرب و الجنوب.

أما المناطق المجاورة للجزيرة الفراتية من جميع الجهات، فيذكرها بشيء من الدقة أبو الفداء الذي يقول[img]images/forum/icons/icon_frown.gif[/img](فعلى هذا تكون بعض أرمينية و بعض الروم غربي الجزيرة و بعض الشام و بعض البادية جنوبيها و العراق شرقيها و بعض أرمينية شماليها))، و يمكن إيجاز حدود الجزيرة بأنه يحدها من الشمال بلاد أرمينية و بلاد بيزنطية و من جهة الغرب بيزنطية و إقليم الشام و من الجنوب البادية و بلاد الشام ، و من الشرق العراق.

و لقد كان لموقع الجزيرة الفراتية ، أثر كبير على استقرار السكان بها. فقد كانت منطقة فاصلة بين الإمبراطوريتين الفارسية و البيزنطية تنازعتها كل منهما و قد أدى هذا إلى وجود عناصر عديدة فيها مثل الأرمن و الأكراد.

استقرت القبائل العربية في الجزيرة الفراتية ، منذ ما قبل الإسلام سواء عن طريق الغزوات أو كمهاجرين، حتى غدت الجزيرة بالنسبة لهم ديارات عرفت بأسماء قبائلهم.

و على ما يبدو أن معظم القبائل العربية التي هاجرت إلى الجزيرة الفراتية قبل الإسلام بقرن أو قرنين نتيجة ظروف معينة كانت من عرب الشمال القاطنين قرب بادية الشام،و قد خرجت باحثة عن الخصب و الماء الذي وجدته في الجزيرة الفراتية فانتشرت فيها و استقرت، و من هذه القبائل قبيلة بكر و ربيعة و مضر و أنمار و إياد و تغلب،و قد اشتهرت بعض هذه القبائل بالقوة و المنعة في الجزيرة ، و من ذلك بكر و ربيعة و مضر، و سيطرت هذه القبائل الثلاث على معظم أراضي الجزيرة الفراتية حتى صارت منطقة نفوذ لكل منها ، و قد سيطرت كل قبيلة على منطقة معينة و صارت تعرف بها مثل ديار بكر و ديار ربيعة و ديار مضر، و اعتبرت هذه المناطق ملكاً لها مع فروعها من العشائر و البطون ، و لا يسمح لغريب النزول بها و لا المرور بها إلا برضى هذه القبائل.

و أولى القبائل المهاجرة إلى الجزيرة الفراتية كانت قبيلة بكر و ربيعة و مضر ثم تلتها قبائل عربية أخرى مهاجرة إلى نفس المنطقة ، لاسيما قبيلة تغلب و نمر ، و كانت هجرة القبيلتين الأخيرتين حوالي /380/م، و نزلت الجزيرة الفراتية في هذه الفترة أيضا جماعة من قبيلة قضاعة ، و من القبائل العربية التي امتدت منازلها على ضفاف الفرات في الجزيرة في العصر الجاهلي قبيلة تميم التي كانت مستقرة في الشرق من الجزيرة و إلى الجنوب الشرقي منها، ثم أن القبيلة الضخمة العدد قلما كانت تنزل برمتها في موطن واحد و إنما كانت تتفرق بطونها في مواطن متعددة من أرض الجزيرة الفراتية ، و هذه القبائل العربية و غيرها من القبائل الأخرى التي سكنت المنطقة منذ العصر الجاهلي، لم تقف هجراتها عند هذا الحد، بل واكبتها قبائل عربية جديدة إلى المنطقة في صدر الإسلام كما هاجرت بطون و أفخاذ جديدة من القبائل الأم المستقرة في الجزيرة الفراتية ، مما سهل لها الأمن و الاستقرار فيها، أمثال ربيعة و بكر و تغلب التي استقبلت فروعها بطيب خاطر حتى يتعزز مركزها أكثر في هذه المنطقة الخصبة.

القبائل العربية في الجزيرة في العهد الراشدي

عندما بدأت الفتوحات العربية الإسلامية في العهد الراشدي.وجه الاهتمام إلى منطقة الجزيرة لأسباب عامة و كثيرة تتعلق بالفتوحات و هي معروفة و مدروسة في مصادر متعددة، إضافة إلى موقعها الجغرافي الهام على طريق التجارة إلى الخليج العربي، و لارتباطها بالشام، فلا يعقل أن يقف العرب مكتوفي الأيدي إزاء سيطرة الروم البيزنطيين عليها.

و كان فتح الجزيرة الفراتية على يد عياض بن غُنم سنة 18هـ/626م في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، حيث فرضت الجزية على السكان النصارى، و كان منهم قبيلة تغلب العربية التي رفضت دفع الجزية حمية و أنفة منها،و رضي منها الخليفة أن تدفع الصدقة مضاعفة على أن لا تنصر أبنائها و أن لا يحملوا على الدخول في الإسلام،و قد دخل الكثير من أفرادها في الدين الإسلامي و بعضها بقي على نصرانيته إلى أن آمن الجميع بالإسلام مع مرور الزمن.

و من القبائل العربية التي هاجرت إلى الجزيرة الفراتية في العهد الراشدي بعض تميم التي انضمت إلى قبيلتها التي كانت مستقرة في الجزيرة منذ ما قبل الإسلام و هاجرت أيضاً في هذه الفترة قبيلة المازحين و المديبر و بعض قيس و أسد، و قد أقرهم الخليفة عثمان بن عفان أن ينزلوا في أماكن نائية عن القرى و المدن،و قد أقرهم في نواحي ديار مضر، و هذا لا يعني أن كل القبائل العربية الوافدة كانت تنزل بعيدة عن المدن و القرى، فكانت تارة تنزل المدن و الحواضر و تخالط سكان البلاد الأصليين،و تارة أخرى تنزل في منازل خاصة بهم، كما في عهد الخليفة الراشدي عثمان بن عفان، أو أحياناً في معسكرات بعيدة عن المدن و القرى.

و هذا يعني بأنه لم تكن لدى العرب خطة موحدة للنزول في الجزيرة الفراتية والاستقرار فيها،إنما كان ذلك يتبع الظروف المهيأة في هذه المناطق، ومن ذلك ما يلاحظ أن الكثير من الأراضي في الجزيرة كانت خالية و فيها مواطن نائية، و كانت ملائمة لحاجات القبائل القادمة و المهاجرة إلى الجزيرة للاستقرار فيها و ممارسة الزراعة، أو كانت توزع بين القبائل التي كانت موجودة من قبل في الجزيرة الفراتية، و التي ساعدت على توسعها و انتشارها إلى الأراضي المجاورة في الجزيرة بتزايد أعداد هذه القبائل، و بعد مقتل الخليفة الراشدي عثمان بن عفان،خرج ربيعة بن عاصم العقيلي مع قبيلة قيس من الكوفة يريدون معاوية، فمروا بالجزيرة فرأوا بلاداً خصيبة ريفية، و مزروعات واسعة و قلة أهل. فلما وصلوا إلى معاوية ذكروا له ذلك فردهم إلى أرض الجزيرة و أسكنهم فيها، و كذلك الأمر بالنسبة لبني الأرقم بن النعمان بن عمرو من آل كندة فقد تركوا الكوفة و توجهوا إلى معاوية لأنهم كانوا عثمانيين، و قالوا[img]images/forum/icons/icon_frown.gif[/img](لا نقيم ببلد يسب فيه عثمان))، فأنزلهم معاوية الرهاء، و ذلك لأن الجزيرة و الشام و ثغورهما كانتا في تلك الفترة تحت حكم معاوية بن أبي سفيان.

و يمكننا أن نتعرف على بعض القبائل العربية الأخرى من خلال وقعة صفين في عهد الخليفة علي بن أبي طالب، فقد شاركت معظم قبائل ربيعة في هذه الوقعة إلى جانب الخليفة علي، و كذلك فعلت بكر بن وائل، أما القبائل المضرية فلم تكن الغالبية معه، لا سيما قبيلة قيس التي كان معظمها مع معاوية بن أبي سفيان، علماً أن الغالبية العظمى التي قاتلت في صف علي بن أبي طالب، كانت من القبائل العدنانية لا سيما قبائل العراق و الجزيرة من ربيعة و بكر و بشكل خاص قبيلة ربيعة، لا سيما تيم الله و النمر بن قاسط و عنزة، و هذا يعني أن هذه القبائل الأخيرة كانت قاطنة و مستقرة في الجزيرة الفراتية في عهد الخليفة علي بن أبي طالب.

القبائل العربية في الجزيرة في العصر العباسي

و عندما انتقلت الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان، وفدت قبائل عربية أخرى إلى الجزيرة الفراتية،حيث وفدت بطون كبيرة من قبيلة بكر إليها و استقرت فيها،كما جاء بنو أمية أيضاً إلى الجزيرة، و قد استمر الكثير منهم في مدينة حران و حصن مسلمة الذي سمي بذلك نسبة إلى مسلمة بن عبد الملك بن مروان، و قد جاءت أيضاً قبيلة بني هلال إلى الجزيرة، و يرجح أنهم تسربوا إلى المنطقة في العصر العباسي الأول، و هم إحدى جمرات العرب و كانت لهم كثرة وعدة في الجاهلية و الإسلام، حيث تمكنوا من السيطرة على مدينة حران في العصر العباسي الثاني، حيث قضى المعتز بالله على نفوذهم فيها، و من القبائل التي سكنت الجزيرة في العصر العباسي، بعض بني قشير و عقيل و نمير و بعض بني كلاب على نهر الخابور في الخانوقة و عرابان و قرقيسياء و الرحبة، ومن القبائل التي كانت مستقرة في الجزيرة حين زارها الرحالة و الجغرافيون بنو مدلج المشهورون بمعرفة القيافة، و بنو حبيب و هم قوم من تغلب، و كان موطنهم برقعيد، علماً أن مواطن سكنى قبيلة تغلب كانت في القرن الأول الهجري تشمل مناطق عديدة و واسعة ما بين نهر الخابور و دجلة و الفرات في وسط الجزيرة الفراتية بين قرقيسياء و سنجار و نصيبين و الموصل شمالاً و عانة و تكريت جنوباً و بعضهم كان على الضفة اليمنى لنهر الفرات عند منبح و الرصافة، و النمر بن قاسط في مدينة رأس العين و نواحيها.
و من الجدير بالذكر أنه كان في الجزيرة الفراتية إضافة إلى القبائل العربية بقايا عناصر قديمة من السريان و الآراميين مع وجود عناصر غير عربية فيها، مثل الأرمن و الفرس و الأكراد، و الغالب أن الأكراد سكنوا المناطق الشمالية و الشرقية من الجزيرة الفراتية، و منها جزيرة ابن عمر فإنها كانت تعرف بجزيرة الأكراد، أي قبل أن يختطها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي الذي نسبت إليه الجزيرة فيما بعد، و ذلك في أيام الخليفة العباسي المأمون، أما الفرس و الأرمن، فعلى الغالب أنهم كانوا في المناطق الشمالية و الشرقية، و قد دخل معظم هذه الأقوام الدين الإسلامي، و لم يبقوا منعزلين عن غيرهم من العرب و المسلمين، بل حدث اختلاط و تمازج بينهم و بين القبائل العربية القاطنة في الجزيرة الفراتية تدريجياً و اشتركوا معاً في الحياة الاجتماعية و الاقتصادية الجديدة، و تحملوا معاً أعباء الدفاع عن الدولة العربية الإسلامية و حدودها تجاه عدوهم البيزنطي.

*نقلاً عن مجلة تاريخ العرب و العالم/العدد:89_90_آذار_نيسان_1986_ص84/(كاتب المقال:أحمد سينو)
من موقع الحسكيه